يطرح إيفان فيجنباوم رؤية نقدية للنقاش الدائر في واشنطن حول تداعيات الحرب مع إيران، حيث ينشغل صناع القرار بسؤال المنافسة مع الصين، بينما تواجه دول آسيا واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا قاسيًا يتجاوز هذه الحسابات النظرية.
تشير مؤسسة كارنيجي إلى أن هذا الجدل الأميركي يغفل تأثير الحرب المباشر على حياة الملايين في آسيا، حيث تضغط الأزمة على الميزانيات العامة، وبرامج الدعم الاجتماعي، ومستويات المعيشة، ما يعيد تشكيل أولويات الحكومات والشعوب في المنطقة.
واقع آسيوي قاسٍ يتجاوز الجدل الجيوسياسي
تكشف الأسابيع الأولى من الحرب عن تداعيات ملموسة في آسيا، حيث ارتفعت أسعار الوقود وفرضت الحكومات إجراءات طارئة. واجهت كوريا الجنوبية أزمات في قطاع الطيران، وأغلقت مدارس في بنجلادش وباكستان، بينما فرضت دول مثل فيتنام وماليزيا العمل عن بُعد لتقليل استهلاك الطاقة.
أجبرت هذه الظروف الحكومات على اتخاذ قرارات صعبة بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي أو ضبط العجز المالي. لا تدور هذه الخيارات حول نظريات استراتيجية، بل حول قدرة الناس على العيش، وتوفير الغذاء والطاقة، والحفاظ على الوظائف.
ضغوط اقتصادية تعيد تشكيل السياسات
تبرز إندونيسيا مثالًا واضحًا على هذه المعضلة، حيث يواجه الرئيس برابوو سوبيانتو ضغوطًا لإعادة النظر في برامج الدعم، مثل الوجبات المجانية، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. تدرس الحكومة تقليص هذه البرامج لتوفير مليارات الدولارات، ما يهدد مكتسبات اجتماعية مهمة.
تضع هذه الضغوط القادة أمام خيارين صعبين: إما تقليص الدعم وتحمل غضب الشارع، أو تجاوز القيود المالية وزيادة العجز. تعكس هذه المعضلة عمق التأثير الذي تفرضه الحرب على الاستقرار الداخلي للدول الآسيوية.
فجوة بين واشنطن وآسيا
ينتقد فيجنباوم الخطاب السائد في واشنطن، حيث يركز على إضعاف الصين عبر استهداف حلفائها، بينما يغفل التحديات الحقيقية التي تواجهها آسيا. يبدو هذا النقاش، بحسب تحليله، منفصلًا عن الواقع، ومشبعًا برؤية ذاتية لا تعكس أولويات المنطقة.
يزداد هذا التباعد مع سياسات تجارية أميركية سابقة، مثل الرسوم الجمركية، التي أضعفت تنافسية اقتصادات آسيوية عدة. تضيف الحرب في الشرق الأوسط ضغطًا جديدًا عبر تهديد أمن الطاقة، ما يضاعف التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
أولويات مختلفة… وردود أفعال مستقلة
تركز دول آسيا على قضايا أساسية مثل النمو، وفرص العمل، وأمن الطاقة، وتكلفة المعيشة. لا تنطلق هذه الأولويات من صراعات القوى الكبرى، بل من احتياجات داخلية ملحّة.
يعكس سلوك بعض الدول هذا التوجه، حيث اختارت ماليزيا والفلبين وفيتنام التفاوض مع إيران لضمان مرور الطاقة، بدل الانخراط في الموقف الأميركي. يكشف هذا التوجه عن استقلالية متزايدة في القرار، مدفوعة بالواقع الاقتصادي.
تداعيات طويلة المدى على النفوذ الأميركي
يحذر فيجنباوم من أن تجاهل هذه الحقائق قد يضعف مكانة الولايات المتحدة في آسيا. عندما تبدو السياسات الأميركية منفصلة عن احتياجات الشعوب، تتراجع الثقة في التزامها طويل الأمد.
يرى أن قدرة واشنطن على المنافسة مع الصين تعتمد على دعمها لأهداف التنمية والاستقرار في آسيا. أما إذا استمرت في تجاهل هذه الأولويات، فستجد نفسها في مواجهة شكوك متزايدة حول دورها.
في النهاية، تكشف الحرب مع إيران فجوة عميقة بين رؤية واشنطن وواقع آسيا. لا تحدد القوة الاستراتيجية فقط من خلال التحالفات أو الصراعات الكبرى، بل من خلال القدرة على فهم احتياجات الشعوب والتفاعل معها. بدون هذا الفهم، تفقد السياسات معناها، ويتراجع النفوذ مهما بدا قويًا على الورق.

